Tuesday, July 12, 2011

في الذكرى الثالثة للمسيري .. بين الإنتفاضة والثورة

من كتاب اللغة والمجاز بين التوحيد ووحدة الوجود صـ 120


المصطلحات لا توجد في فراغ ، وإنما داخل أطر إدراكية تجسد صورا مجازية وونماذج معرفية ، وقد تمت آخر محاولة لسلب الإنسان العربي حقه في تسمية الأشياء بجسن نية بالغة ، إذ حاول بعض الكتاب إسقاط كلمة " إنتفاضة " ، وإحلال كلمة " ثورة " محلها . وأنا لا أعترض على كلمة "ثورة " كتسمية عامة لما يحدث في فلسطين في عام 1987 أو عام 2000 ، تجمع بينهما وبين الظواهر المماثلة كجزء من تراث عالمي ، ولكن مع هذا تظل لكلمة إنتفاضة خصوصيتها التي يجب أن نعبر عنها

ونحن لو حللنا فكر الكتاب الذي يعترضون على كلمة إنتفاضة لاكتشفنا أنهم بلا شك متأثرون بالتراث اللغوي الغربي ، حيث رتبت المحاولات الإنسانية لرفض القهر ترتيبا هرميا يستند الي تجربة الإنسان الغربي التاريخية بحيث يوجد في قاعدة الهرم اعمال الشغب ، وتعلوها التمردات الثورية وهي ثورة غير مكتملة ، ثم أخيرا في قمة الهرم توجد الثورة المكتملة بكل ما تعمل من معاني الإنقطاع الكامل ، والرفض التام للنظام القديم وطرح رؤية جديدة


وهذه التقسيمات اللغوية نابعة لا من عبقرية اللغات الأوروبية وحسب ، وإنما من التجربة الحضارية التاريخية الغربية ذاتها ، حيث توجد عدة انقطاعات كاملة ، فعصر النهضة كان رفضا للعصور الوسطى ورفضا للدين والكنيسة ، وهناك الثورة الفرنسية والبلشفية ، فهما تشكلان ما يشبه الانقطاع الكامل لما سبق وهدما للنظام القديم ورفضا جذريا للدين وللقيم الاخلاقية المرتبطة به وطرج رؤية جديدة للعالم والإنسان


أما كلمة إنتفاضة مناسبة تماما لوصف الإستمرارية ، فهي صورة مجازية تبلور إدراك الإنسان الفلسطيني للواقع الصهيوني ، وهي مشتقة من اللفظ نفض مثل نفض الثوب يعني حرّكه ليزول عنه الغبار ولعل هذا وصف دقيق للاستعمار الصهيوني الذي لم يضرب جذوره في تربتنا الجغرافية والتاريخية ويقال نفض الطريق أي طهره من اللصوص ، وتحمل أيضا معاني الخصوبة ومنها نفض الكرم أي تفتحت عناقيده ويقال - وهذا هو الأهم - نفضت المرأة أي كثر أولادها ، غير نفض عنه الكسل ونفض عنه الهم


ونحن هنا لا نرفض كل المصطلحات أوالكلمات الغربية، فهذا في تصوري ترد كامل وتقبل غير مشروط للنموذج الغربي المعرفي ، وإنما اطالب بنموذج معرفي متكامل ونسق لغوي يعبر عنه ونقطة إبتداء مغايرة لرصد واقعنا وواقعهم ، وهذا النموذج الجديد لا يرفض النماذج الأخرى بل يتفتح عليها لأنه واثق من نفسه


ولا بمكننا أن ننسب الي شباب الانتفاضة الذين اختاروا المصطلح معرفة بكل هذا واستحضار له ، ولكن لا يمكننا ايضا ان ننكر احساسهم الفطري السليم بلحظتهم التاريخية ، وارتباطهم بتراثهم ، فقد آثروا أن يحملوا علم الإنتفاضة بكل مدلولات الكلمة العميقة الدالة ، والتي لا نظير لها في اللغات الأوربية ، ومن هنا يكتبون في الصحف الغربية كلمة إنتفاضة بالحروف الاتينية مما ينم عن إدراكهم لخصوصيتها